محمد أبو زهرة
2076
زهرة التفاسير
تعالى وطلب مرضاته ، والشعور بالشكر له سبحانه ، فهو المنعم وهو المعطى ، وهو صاحب الفضل العميم . وقد بين سبحانه بعد ذلك ما وعد به ، فقال تعالت كلماته : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ هذا جواب القسم الذي أقسم به رب العالمين ، منشئ هذا الوجود ، وهو يتضمن ما وعد الله به بني إسرائيل إذا قاموا بما يوجبه الميثاق عليهم ، وهو يتضمن أمرين أحدهما : غفران ما ارتكبوا من سيئات ، وثانيهما : جزاء ما فعلوا من خيرات ، وقد عبر سبحانه وتعالى عن الغفران بقوله : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي لأسترن ما قدموه من أعمال هي سيئة في ذاتها ، وهي سيئة لهم ، ولمجتمعهم ، ومعنى تكفيرها سترها ، فلا تفضح بالعذاب ؛ إذ العذاب كشف لها ، وإعلام بها ، والغفران ستر وعطاء ، وقد أكد سبحانه الغفران بلام القسم والنون المؤكدة توكيدا شديدا . وعبر سبحانه وتعالى عن الجزاء بقوله : وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وأكد العطاء بمثل ما أكد الغفران ، وقد قدم سبحانه الغفران على الثواب ؛ لأن الغفران تطهير ، والتطهير مقدم على غيره ، أو كما يقول العلماء : « التخلية مقدمة على التحلية » . فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي أنه من يجحد بآياته ونعمه وآلائه وبيناته بعد ذلك الميثاق الغليظ الذي أخذ عليهم ، والوعد الأكيد الذي وعدهم الله به فقد بعد عن السبيل المستوية المعبدة المسلوكة ، وسار في متاهات الضلال التي لا هداية بعدها ، فمعنى سواء السبيل الطريق المستوية التي توصل ، ومعنى ضلالها البعد ، وهذا إنذار لله تعالى بعد الميثاق بأنه هو الطريق السوى ، فمن حاد عنه ، فقد ضل وغوى ، وقد كانوا كذلك . اللهم اهدنا ، ووفقنا لاتباع سبيلك السوى ، إنك الهادي والنصير .